محمدحسن القبيسي العاملي

365

تفسير البيان الصافي لكلام الله الوافي

فلما كان يوم بدر وعرف اللّه تعالى حرج المسلمين أنزل اللّه تعالى على نبيه : وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَها وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ، فلما قوي الاسلام وكثر المسلمون أنزل اللّه ولا تهنوا وتدعوا إلى السلم وأنتم الأعلون واللّه معكم ولن يتركم اعمالكم ، فنسخت هذه الآية التي أذن لهم فيها ان يحتجوا ثم انزل سبحانه في آخر السورة : فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ إلى آخر الآية . ومن ذلك ان اللّه تعالى فرض القتال على الأمة فجعل على الرجل الواحد ان يقاتل المشركين فقال : إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ إلى آخر الآية . ثم نسخها سبحانه فقال : الْآنَ خَفَّفَ اللَّهُ عَنْكُمْ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً فَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ صابِرَةٌ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ إلى آخر الآية فنسخ بهذه الآية ما قبلها فصار من فر من المؤمنين في الحرب فان كانت عدة المشركين أكثر من رجلين لرجل لم يكن فارا من الزحف وان كان العدة رجلين لرجل كان فارا من الزحف وقال ( ع ) ومن ذلك نوع آخر وهو ان رسول اللّه ( ص ) لما هاجر إلى المدينة آخى بين أصحابه من المهاجرين والأنصار جعل المواريث على الاخوة في الدين لا في ميراث الارحام وذلك قوله تعالى : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَهاجَرُوا وَجاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آوَوْا وَنَصَرُوا أولئك بعضهم أولياء بعض إلى قوله سبحانه : وَالَّذِينَ آمَنُوا وَلَمْ يُهاجِرُوا ما لَكُمْ مِنْ وَلايَتِهِمْ مِنْ شَيْءٍ حَتَّى يُهاجِرُوا ، فأخرج الأقارب من الميراث واثبته لأهل الهجرة وأهل الدين خاصة ، ثم عطف بالقول فقال تعالى : وَالَّذِينَ كَفَرُوا بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ إِلَّا تَفْعَلُوهُ تَكُنْ فِتْنَةٌ فِي الْأَرْضِ وَفَسادٌ كَبِيرٌ . فكان من مات من المسلمين يصير ميراثه وتركته لأخيه في الدين دون القرابة والرحم الوشيجة فلما قوي في الاسلام انزل اللّه : النَّبِيُّ أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ وَأَزْواجُهُ أُمَّهاتُهُمْ وَأُولُوا الْأَرْحامِ بَعْضُهُمْ أَوْلى بِبَعْضٍ فِي كِتابِ اللَّهِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُهاجِرِينَ إِلَّا أَنْ تَفْعَلُوا إِلى أَوْلِيائِكُمْ مَعْرُوفاً كانَ ذلِكَ فِي الْكِتابِ مَسْطُوراً ، فهذا المعنى نسخ آية الميراث ، ومنه وجه آخر وهو ان رسول اللّه ( ص ) لما بعث كانت الصلاة إلى قبلة بيت المقدس سنة بني إسرائيل